من أجل مجتمع أفضل

تهتم بالتربية والتعليم وواقع المدرسة المغربية

سيكولوجيا المراهق المغربي

سيكولوجيا المراهق المغربي
ذ. عبد المجيد الخطيب

اقتباس الأستاذ عبد الكريم الشيظمي حارس عام بثانوية الزيتون التأهيلية نيابة تاوريرت

المحاور:
تمهيد
معانات المراهق المغربي داخل الأسرة
حياة المراهق المغربي داخل المدرسة
تفاعلات المراهق المغربي مع الإعلام
خاتمة
المراجع




تمهيـــــد:
المراهقة مرحلة عمرية من حياة الفرد والتي تبدأ من نهاية طفولته (12 عاما)، وتنتهي عند بداية سن الرشد (19 عاما). وهي بهذا تعتبر فترة انتقالية تتميز بمميزات خاصة ومختلفة، يحاول فيها المراهق إثبات ذاته بين افراد المجتمع، والاستقلال عــن مســاعدات الأسرة، ليصبح في الأخير شخصا يكفي حاجاته ومتطلباته بالاعتماد على نفسه، أي أنه " يتوق إلى التخلص من قيود الأهل و إلى أن يصبح مسؤولا عن نفسه".(1)
فالبنات تبدأ عندهن فترة المراهقة بظهور الطمت، أما بالنسبة للصبيان فيعتبر ظهور الشعر في أماكن مختلفة من الجسم العلامة والمعيار الأساسي لبداية مرحلة المراهقة، إضافة إلى تغيرات أخرى مرافقة كاتساع الكتفين وتغير نبرة الصوت. كما يرافق هذه التغيرات المظهرية للجسم بداية بعض الغدد في إفراز هرمونات مختلفة داخل دم المراهق. كل هذا يدفع المراهق إلى تغيير سلوكا ته ومن مواقفه داخل الأسرة ومع المجتمع، ومع نفسه أيضا. كما تتغير نظرة الآخرين من آباء ومجتمع اتجاهه، حيث يؤدي في غالب الأحيان سوء فهم هذه المرحلة الخطيرة إلى عدم تقبل سلوكاته ، مما يحدث توتر بينه وبين محيطه الذي يعيش فيه، سواء داخل الأسرة أو في المدرسة.

 

معاناة المراهق المغربي داخل الأسرة:
سالت أحد الآباء عن تجربته مع أحد أبنائه عندما انتقل إلى مرحلة المراهقة فكان جوابه كالتالي: " عندما كان يدرس بالمدرسة الابتدائية كان هادئا سهلا ، يسمع ويستجيب إلى كل ما أطلب منه بحيوية ونشاط، ويتجاوب بشكل إيجابي مع اخوته وأمه. وعند انتقاله إلى المدرسة الإعدادية تغير بشكل مذهل جدا، حيث أصبح حادا جدا ،ولا ينفذ كل ما أطلب منه إلا بعد أن يراجعني بنوع من التوتر،وأصبح يرفض كل من يحاول التدخل في شؤونه الشخصية...ونحن لم نفعل هذا أبدا مع آبائنا!!.."
وسألت أحد الأمهات عن تجربتها مع بنتها الوحيدة عندما أدركتها مرحلة المراهقة فقالت : " بدأ صوتها يتغير، و اتسع حوضها ، وصارت تهتم بشكلها وملابسها بشكل ملفت للانتباه، وبدأت تفضل المكوث في غرفتها وحيدة ...لم أدرك ما حل بها !، ولم تغيرت بهذا الشكل الكبير!..."
يصنف المغرب ضمن دول العالم الثالث، حيث يعاني من التبعية الاقتصادية وارتفاع نسبة الفقر والأمية، كل هذا يكون له انعكاسات مباشرة على الأسرة المغربية باعتبارها خلية المجتمع تتأثر وتؤثر في المحيط الاقتصادي والسياسي والثقافي الذي توجد فيه .
ففي الأسر الفقيرة يكون هم الخبز هو جل اهتمامات الوالدين، ويؤدي هذا إلى إهمال الأبناء عاطفيا، ينتج عنه عدم متابعة سلوك الأبناء مع عدم محاولة فهمها قصد التوجيه والعناية.
والمراهق داخل هذه الأسر الفقيرة، تتنوع معاناته:
الحرمان المادي الذي لا يغطي حاجياته المتنوعة من لباس وأكل ودراسة ؛
يواجه الآباء سلوكاته إما بالتجاهل أو بالرد العنيف اعتقادا منهم أن الضرب والإهانة هما الوسيلتان الفعالتان لتربية الأبناء تربية جيدة؛
عندما يحاول أن يثبت ذاته في هذه الفترة داخل أسرته يواجه بردود أفعال قاسية من طرف اخوته وخاصة إذا كان أصغر منهم سنا .
إن تداخل هذه المعاناة فيما بينها تنتج عنه انعكاسات سلبية جدا تخلف لديه مشاكل اجتماعية ونفسية تؤثر عليه في المستقبل.

 

أما المراهق الذي يعيش في أسرة ذات الدخل المرتفع، فمعاناته في غالب الأحيان تتجلى في عدم فهمه من طرف الوالدين، خصوصا إذا كان الآباء و الإخوة لا يعرفون شيئا عن هذه المرحلة الحرجة من حياة الإنسان. و يؤدي توفر المال والسيارة و الهاتف... لديه إلي دخوله في مغامرات خطيرة جدا، وخاصة مع الجنس الآخر، و الذي قد ينتج عنه تعثر في الدراسة، أو تعرضه لأخطار لا يعرفها بفعل حداثة سنه.

 

وهكذا يكون على الأبوين ضرورة الاطلاع على خصوصيات هذه المرحلة التي يمر منها أبناؤهم، حتى يدركوا أن سلوكات المراهق هي عادية جدا، يجب تفهمها وتقبلها مع محاولة التوجيه اللطيف اللين دون عنف إقتداء بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، مع إعطائه المكانة و الاستقلال اللذان يبحث عنهما. كل هذا يتم من خلال التقرب منه، ونسج علاقة صداقة معه تستطيع من خلالها التعرف على توجهاته والأعمال التي يحاول القيام بها، وبالتالي يتمكن الآباء من دفعه إلى العدول عما هو غير مقبول أخلاقيا وتربويا: "ولعل لجوء الوالدين إلى مصادقة المراهق أو المراهقة بصدر رحب، وثقة مميزة، وشعور بالعطف والاهتمام، أن يجعله مواطنا صالحا يستطيع مواجهة مشكلاته وحلها عن طريق الحوار والإيجابية " (2). كما يجب على الوالدين تجنب الحرص الشديد الذي تكون نتائجه في أغلب الأحيان عكسية، وأن يلجئوا إلى المولى عز وجل بالدعاء والتضرع إليه سبحانه أن يجعله عملا صالحا، وأن يجعل نار هذه المرحلة بردا وسلاما عليه، فانه سبحانه على كل شيء قدير.

 

حياة المراهق المغربي داخل المدرسة:
عندما ينتقل الطفل إلى مرحلة المراهقة يكون آنذاك يدرس بالمدرسة الإعدادية أو الثانوية، أي أن "معظم طلاب وطالبات المدرستين الإعدادية والثانوية مراهقون ومراهقات " (3) وإن أهم ما يسجل في هذه المدارس، هو توتر علاقة الأساتذة مع التلاميذ، حيث يعاني المدرسون من عدم انضباط التلاميذ داخل الفصل، ومن عدم انتباههم أثناء إلقاء الدروس، حيث " يشرد عقل التلميذ، ويتشتت انتباهه بسبب عوامل داخلية عنده أو أخرى خارجية ..."(4)، فيلجأ معظم المدرسين إما إلى الضرب أو الإهانة أو إخراج المشاغبين من القسم، يؤدي هذا إلى صراع بين المدرس والتلميذ داخل المدرسة وقد ينتقل أحيانا إلى الشارع، كما نسمع من اعتداءات التلاميذ على الأساتذة خارج المدرسة.
ويمكن إرجاع هذه المشاكل إلى :
1. عدم الاهتمام بالجانب الأخلاقي سواء من طرف المجتمع أو من طرف المناهج التعليمية؛ أي أن الأخلاق لم تصبح معيارا يعتد به مقارنة مع التوفر على الكفاءة العلمية؛
2. عدم فهم مرحلة المراهقة من طرف المدرسين، الشيء الذي يؤدي بالأستاذ أن يسبح ضد التيار، كأن يحسس التلميذ المراهق بأنه لازال صغيرا، أو يحاول إهانته أمام أصدقائه قصد ضبط القسم، حيث أن " الكثير من المعلمين، بسبب من قلة فهمهم للمراهقة يشعرون المراهقين والمراهقات بالإحباط ويساعدون على عدم تكيفهم".(5)
3. تأثر المراهقين بالمشاهد العنيفة التي يتابعونها عبر القنوات الكثيرة من خلال الأفلام المثيرة التي يشاهدها يوميا.
ولتجاوز هذه المشاكل، يكون لزاما على المدرسين تعميق فهمهم لهذه المرحلة قصد فهمها والتفاعل معها أثناء التدريس، حيث أن " علاقة المدرس بتلاميذه لها أثر واضح في تيسير التعلم أو عرقلته، فالعطف والحنان من جانبه يساعدان على إقبال المراهق على عملية التعلم، مما يساعد على التخلص مما يضايقهم و يعرقل دراستهم" (6)، كما يجب إعادة صياغة برامج تعليمية تتناسب مع نموه العقلي والشخصي الذي يوافق هذه المرحلة، وتتضمن أيضا مواضيع تكون من صلب اهتماماته. كما يجب أيضا إعادة إعطاء القيمة للجانب الأخلاقي في تعليمنا بشكل عام، وأن يفكر المدرس في تزويد المتعلم بالأخلاق قبل المعلومات، وذلك من خلال التنسيق مع الآباء بشكل يسمح للطرفين من تبادل المعلومات حول التلميذ، مما يسهل فهم اتجاهات التلميذ بشكل عميق جدا.

 

تفاعلات المراهق المغربي مع الإعلام :
يعرف هذا القرن الأخير ثورة إعلامية كبيرة جدا، حيث أصبح العالم عبارة عن قرية صغيرة بفعل تنوع وسرعة وسائل الاتصال. وما يميز المشهد الإعلامي حاليا هو كثرة وتنوع البرامج المختلفة، وذلك بفعل الصحون المقعرة واستعمال الانترنيت بشكل يتزايد يوما عن يوم. والمراهق المغربي تأثر بشكل كبير وخطير جدا بهذا السيل الجارف من المواد الإعلامية التي تنقلها "البارابولات" والصحف والمجلات:
1. الصحف والمجلات: لقد كان لظهور الصورة الملونة والصوت الرقمي، وخدمات الانترنيت السريعة والمتنوعة، الأثر الواضح على استعمال الكتاب عموما، حيث سجل تراجع استعمال الصحف و المجلات في السنوات الأخيرة، وهكذا، فالمراهق المغربي عموما لا يهتم بهذه الصحف، والتي لا تثير اهتماماته أيضا، كما نسجل غياب مجلات تهتم بالأطفال باستثناء بعض المساهمات والإنتاجات والتي لا تلقى تشجيعا من طرف الأوساط الرسمية .
2. "البارابول": يجد المراهقون اليوم أنفسهم أمام برامج مختلفة و كثيرة من شتى الثقافات والإديولجيات العالمية. ويميل في غالب الأحيان المراهقون إلى مشاهدة الأفلام المثيرة أو القنوات الإباحية -إذا توفرت لهم فرصة لذلك-والرسوم المتحركة. وكل هذا في غالب الأحيان لا يناسب مستواهم العمري ونموهم العقلي والوجداني ( باستثناء بعض البرامج). وما يسجل أيضا هو عدم وجود برامج خاصة تناسبهم، تراعي مستواهم النفسي والعقلي، وعدم اهتمام الآباء بما يشاهدونه في غالب الأحيان. وهناك من بسوء فهمه بمنع عليم التلفاز نهائيا ظنا منه أن هذا هو الحل المناسب.
3. الانترنيت: يلاحظ بشكل ملفت وخطير جدا إدمان المراهقين على مقاهي الانترنيت بشكل يومي، التي توفر لهم مواقع ومحادثات سريعة الاتصال ومن دول شتى. والخطير في الأمر هو ما يلاحظ من سوء استعمال هذه الشبكة العنكبوتية من طرف هذه الشريحة البريئة، حيث يلجئون إلى مواقع إباحية أو مواقع لا تناسب مستواهم العقلي والعاطفي.

 

وعموما، يمكن القول إن هذه الخدمات الإعلامية العملاقة الوسائل، القزمة المضمون في أغلب الأحيان، كان لها تأثير كبير جدا على المجتمعات بصفة عامة، وعلى الأطفال المراهقين بصفة خاصة حيث نلاحظ:
ظهور العنف بالمدارس الإعدادية والثانوية الناتج عن تقليد بعض الأفلام المثيرة؛
تدني المستوى التعليمي لدى تلاميذ الإعدادي والثانوي، نظرا لتضييعهم الوقت الكثير أمام البارابولات وفي مقاهي الانترنيت (لا يمكن إرجاع تدني المستوى التعليمي إلى هذا العامل فقط، وإنما هذا عامل أساسي من مجموعة من العوامل المتداخلة على شتى المستويات)؛
تدني المستوى الأخلاقي داخل الأسر والمدارس بشكل خطير جدا؛
تنوع وسائل الإعلام حاليا، يكون لدى المراهقين معارف كثيرة عن الثقافات والإديولجيات الموجودة في العالم، مما أضعف دور الأسرة وتأثيرها. وقد تؤدي أحيانا كثرة هذه المعلومات إلى إحداث تناقضات خطيرة داخل كيان المراهق، حيث يتداخل لديه الخيال بالواقع، والحقيقة بالمجاز...
خاتمة:
مرحلة المراهقة مرحلة خطيرة وحرجة في حياة الإنسان، فإذا لم يتم تجاوزها بشكل سليم ستكون لا محالة مخلفات نفسية داخل كيان هذا الفرد . إننا اليوم – كآباء وأساتذة وأصحاب القرار السياسي – مطالبون بوقفة جادة وصريحة، نشخص فيها معاناة فلذات أكبادنا، ثم نتفق بعد ذلك على استراتيجية واضحة المعالم والأهداف،نستطيع من خلالها التحسيس بخطورة ما يعانيه أبناؤنا، والاهتمام بهم.
ولما كانت الطفولة هي الرهان الحقيقي للمستقبل، فسنكون ملزمين بتخصيصها بالاهتمام وتركيز العناية بها حتى نقي الفطرة الطرية لفح الرياح العقيمة ، ونستطيع بالتالي تكوين جيل الغد يكون قادرا على مواجهة التحديات المستقبلية والتي تتجلى معظمها في هيمنة النموذج الغربي الجاهلي الذي تجرد من الدين والأخلاق.



 



Add a Comment